محمد عبد الله دراز

329

دستور الأخلاق في القرآن

يرى أنّ العمل الإرادي لا يختلف عن العمل اللاإرادي إلّا في الظّاهر ، ذلك أنّ الإنسان عاجز عن أن ينشئ أقل حركة ، فهو بين يدي اللّه « كريشة تصرّفها الرّيح » . ومع ذلك ، فإنّ الفرقتين تنتميان إلى جانب المتشددين المسلمين وتستشهدان لدعم آرائهما بمجموعة من النّصوص القرآنية . والحقّ أننا نجد في أصل هذه المناقشة تناقضا أساسيا في فهم الصّفات الإلهية ، الّتي لا يتم كمال إحداها إلّا على حساب كمال الأخرى . ذلك أنّ القرآن يعلن من ناحية : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ « 1 » ، وإذا كان الحديث مطلقا على هذا النّحو ، فليس أمام الإنسان سوى أحد أمرين ، فإمّا أن يقنع بدور الآلة ، وإمّا أن يمنح صفة شريك للّه . ولكنها هي ذي نصوص أخرى ليست أقل تأكيدا ، وهي تعلن أنّ اللّه سبحانه هو الموجود العادل بحقّ : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ « 2 » ، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 3 » . وفي هذه الظّروف ، لا يستطيع أحد أن يتصور أنّ اللّه سبحانه قد أقر شريعة الواجب الإنساني بما تستتبعه من مسؤولية وجزاء - دون أن يكون قد زوّد

--> - عسكر الحارث بن سريح الخارج على أمراء خراسان ، فقبض عليه نصر بن سيار ، وأمر بقتله فقتل سنة 128 ه . انظر ، الأعلام للزركلي : 2 / 138 ، الملل والنّحل : 1 / 79 - 81 ، وانظر ، نظريته في إعانة الطّالبين للبكري : 2 / 56 ، كشف القناع للبهوتي : 4 / 574 ، شرح أصول الكافي : 3 / 230 ، تأريخ الجهمية والمعتزلة : 44 وما بعدها . ( 1 ) الزّمر : 62 . ( 2 ) النّساء : 40 . ( 3 ) يونس 2 : 44 .